ابن عجيبة

390

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ يا أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم أُمَّةٌ أي : طائفة يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ، وهو كل ما فيه صلاح ديني ، أو دنيوي إذا كان يؤول إلى الديني ، أو صلاح قلبي أو روحاني ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وهو ما يستحسنه الطبع ويرتضيه الشرع ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو كل ما ينكره الطبع السليم والشرع المستقيم ، فمن فعل ذلك فأولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ المخصوصون بكمال الفلاح . روى عنه عليه الصلاة والسلام : أنه سئل من خير الناس ؟ فقال : « آمرهم بالمعروف ، وأنهاهم عن المنكر ، وأتقاهم للّه ، وأوصلهم للرحم » . وقال أيضا : « من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر كان خليفة اللّه في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه . وقال على رضي اللّه عنه : ( أفضل الجهاد : الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وشنئان الفاسقين - أي بغضهم - فمن أمر بالمعروف شدّ ظهر المؤمن ، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق ، ومن شنأ الفاسقين وغضب للّه غضب اللّه له ) . وقال أبو الدرداء : ( لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، أو ليسلطن اللّه عليكم سلطانا ظالما ، لا يجلّ كبيركم ، ولا يرحم صغيركم ، ويدعو عليه خياركم فلا يستجاب لهم ، ويستنصرون فلا ينصرون ، ويستغفرون فلا يغفر لهم ) . وقال حذيفة : ( يأتي على الناس زمان لأن تكون فيه جيفة حمار ، أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ) . وللمتصدّى له شروط : العلم بالأحكام ، ومراتب الاحتساب وكيفية إقامتها ، والتمكن من القيام بها . ولذلك خاطب الحق تعالى الجميع ، وطلب فعل بعضهم ، إذ لا يصلح للقيام به إلا البعض ، كما هو شأن فرض الكفاية ، إذ هو واجب على الكل ، بحيث لو تركوه لعوقبوا جميعا ، لكنه يسقط بفعل البعض . والأمر بالمعروف يكون واجبا ومندوبا ، على حسب ما يأمر به ، والنهى عن المنكر واجب كله ؛ لأن جميع ما أنكره الشرع حرام . وأما المكروه فليس بمنكر ، فيستحب الإرشاد إلى تركه . والأظهر أن العاصي يجب أن ينهى عما يرتكبه هو ؛ لأنه يجب عليه تركه ، فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر . وقد قال عليه الصلاة والسلام : « مروا بالمعروف وإن لم تعملوا بكلّه ، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كله » . الإشارة : ( ولتكن منكم أمة ) أي : طائفة ينهض حالهم ويدلّ على اللّه مقالهم ، يدعون إلى الخير العظيم ، وهو شهود ذات السميع العليم ، ويأمرون بالمعروف بالهمة العلية ، وينهون عن المنكر بالحال القوية ، فكلّ من رآهم بالصفا ائتمر وانتهى ، وكل من صحبهم بالوفاء أخذ حظه من الغنى بالمكيال الأوفى ، إن للّه رجالا من نظر إليهم سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا ، فهؤلاء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بالحال دون المقال . يحكى أن بعض الشيوخ مرّ مع أصحابه بقوم يشربون الخمر تحت شجرة ، فأراد أصحابه أن يغيروا عليهم ، فقال لهم : إن كنتم رجالا فغيروا عليهم بحالكم دون مقالكم ، فتوجهوا إلى اللّه بهممهم ، فإذا القوم قد كسروا الأواني ، وجاءوا إلى